العودة   شبكة الربانيون العلمية > الأقسام > جوامع الآداب والرقــائــق والــســيــر > مــنــبــر الأخـــــــلاق

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-19-2012, 04:22 AM
أبو محمد عبدالحميد الأثري أبو محمد عبدالحميد الأثري غير متواجد حالياً
المشرف العام - وفقه الله تعالى
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 3,199
 " إذا جَاريت في خلق دنيئا فأنت و مَن تجاريه سواءً"

" إذا جَاريت في خلق دنيئا فأنت و مَن تجاريه سواءً"



بسم الله الرحـمن الرحـيم


بسم الله الرحمن الرحيم،الحمدلله، نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا.
من يهد الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له.
و أشهد أن لا إله إلا الله، وحدَه لا شَريك له، و أشهدُ أن محمداً عبده و رسوله.
أرسله بالهدى و دين الحق، ليُظهرَه على الدِّين كله، و كفى بالله شَهِيداً، صلى الله عليه و آله، و سلم تسليما.
أما بعد :
فإن قول النبي صلى الله عليه و سلم : "إن الله تعالى يُحِب مَعالي الأمُور و أشرفها ، و يكره سفسافها " .[صحيح الجامع :1886] توجيه نبوي شريف يدفع بالأمة إلى العناية أكثر بمكامن القوة ، و ذخائر الاستمرار فيها ؛ و توجيه الشباب إلى تحريك طاقاتهم ، و شحذ هِمَمِهِم ، و ترشيد عزائمهم ، جزء من ذلك ، و هو مسؤولية عظيمة ، و خاصة خلال مرحلة شبابهم التي هي من أخطر مراحل العمر ، فالشباب مجد الأمة ، و دمها المجدد لحياتها ، و شريانها النابض ، و وقودها المحرك لمسيرتها و استمرارها ؛ إن هي اعتنت بهم ، و شملتهم برعايتها ، و حصَّنتهم مما يهددهم في هذه المرحلة من أخطار و أمراض متنوعة ؛ فإن حصل العكس و قابلتهم بالإهمال ، و التهميش ، و النسيان كانوا لها خصومًا ، و معاول هدمٍ لبنيانها ، و جرافات ردمٍ لخيراتها ، و بؤر فتنة مستديمة تأتي على الأخضر و اليابس ، و سلاحًا طيِّعًا في أيدي أعدائها تُضربُ و تُنكَّل به مِن داخلها ، فالأمة التي لم تستثمر هذه الطاقات لنهضتها ، و لا هي حمتها من المخاطر المحيطة بها ، هي

كالعيس في البيداء يقتلها الظما <> و الماء فوق ظهورها محمول


فلابد لعقلاء الأمة و أهل الحل و العقد فيها أن يدركوا أن [ الشباب بطبيعته ميال إلى المغامرة، والتطلع للجديد، واستشراف المخالفة، غير هياب بعواقب الأمور، يدفعه إلى ذلك عنفوانه ، وشبابه ، وقوته ، وصحته ، وقد تتشكل عقليته ، ونفسيته في طريق غير محمود العاقبة ، ولذلك تجد الشاب في هذه الفترة في الغالب كثير الترحل ، والتنقل من حيث الأفكار ، والأفكار ، والآراء ، والتصورات ، وغالباً ما يقدم عاطفته على عقله ، فقد يتأثر بمقولة ، أو قراءة كتاب ، أو سماع كلمة ، قد تشط به بعيدا ، أو تهوي به في مكان سحيق ، ولكن متى ما إن وفق الشاب لناصح عاقل من أهل العلم ، ثبت بإذن الله على طريق واحد ، ولزم صراطا مستقيماً ، ولذلك يقول بعض السلف : "من علامة الفلاح للشاب والأعجمي أن يوفق لعالم سني " ، وكانوا يقولون : " عليك برأي الشيخ، فقد مرت على وجوههم عيون العبر ، وتصدعت لأسماعهم آثار الغير" ، فالشاب لا سيما السالك لا يستغني عن عالم عاقل ، يستشيره في أموره كلها ، ويصدر عن رأيه ، سواء في قراءة كتاب ، أو النظر في مقالة ، أو الخوض في حديث ما ، أو تعلم فن ما من العلوم ، وقد قيل : " المشورة عين الهداية " وهذه طريقة من سلف من أئمة الدين من علماء المسلمين ، ولذلك إذا رأيت الحدث عاقلاً ، يقر الأمور بتؤدة وروية ، وينظر في المصالح والمفاسد ، فاعلم انه افراز البيئة العلمية النظيفة ، القائمة على الصدور عن العلماء الربانيين الناصحين ولذلك حمدت العرب قديماً آراء الشيوخ ، لأنهم قد خاضوا غمار الحياة ، وركبوا الصعب والذلول ، فحنكتهم التجارب ، وعركتهم الأهوال.].
قال العلاَّمَة ابن القيم - رحمه الله - في كتابه القيِّم " الفوائد " : " قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدِّه. و هذا كما أنه في الذوات و العيان فكذلك هو في الاعتقادات و الإرادات..."؛ فإذا كان محل الوضع ـ عند الشباب ـ مشغولاً بمسايرة السَّقط من النَّاس، و أهل الدناءة، و الحقارة، و الأراذل ، و كل مَن أخلد إلى العجز ، و رضي بالحرمان ، و اطمأن إلى الكسل ؛ كيف تطلب منه أن بكون صاحب همة عالية ، و خواطر طموحة ، و عزائم وهاجة ، و آفاق مزهرة ؛ شبابٌ نافذ العزم ، مقدَامٌ على العظائم ، و صاحب صريمة محكمة و همة شماء .
و ذو الدناءة لو مزَّقتَ جِلدَته <> بشفرة الضَّيم لم يَحسس لها ألما


قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : " و الإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره و يلتذ به ، بل يعشق عشقًا يُفْسِدُ عقله و دينه و خلقه و بدنه و ماله " [مجموع الفتاوى 19/34] .
فإن جازفتَ و أقدمتَ و طَلَبْتَ من هذا الصنف المتآكل ، العاجز ، الكليل ، الخامل ذلك فقد عاقبت نفسك بانتظار ما لا يُنتَظَر حتى عند أغبى النَّاس ، أو صرعى الوسواس
إذا جاريت في خلق دنيئا <> فأنت و من تجاريه سواءً


و لا يبعد حالك عن حال مَن ينتظر إزهار نوَّار الملح ، أو تدفق ماء السراب ، أو مَن يطارد خياله ليلحق به ؛ هيهات هيهات!
كحامل لثياب الناس يغسلها <> و ثوبه غارق في الرجس و النجس
تبغي النجاة و لم تسلك طريقها <> إن السفينة لا تجري على اليبس


و ماذا سيعطيك مَن يمد إلى الأمور كَفًا جذمَاء ؟!!
في مثله قال القائل :.
و مُشَتَّتُ العزمات ينفق عمرَه <> حيران لا ظَفَرٌ و لا إخفاقُ


فإن كنتَ همَّامًا ؛ فاغترف من سير سلفك الصالح والْحَق برَّكبهم ،و جاريهم في مضمارهم ؛ و لا تكن هيَّابًا متقاعسًا ، فما علمنا مِن أحداث التاريخ أنهم قد ردوا مَن سار على سبيلهم ، أو طردوا مَن نسج على منوالهم ،أو حاربوا مَن اقتفى آثارهم و سار على نهجهم .
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة <> فإن فساد الرأي أن تترددا

امتط صهوة همَّتك ، وحطِّم حواجز أوهامك ، و اخترق أصوار تخاذلك ، و فك نفسك من أغلال عجزك ، و كسر جدران تقاعسك ، و تخطى رقاب موانعك ؛ كن شبلاً من تلك الأُسُد ؛ التي لا تقف دون غاية ، و لا تعجزهم لُبانة ، و لا ينكلون عن خُطه ، و لا تُثبطهم عُقلة ، و اطرد الخوف و الوجل ؛ كذلك كأن سلفك الصالح أهل علم و جهاد و أمل و همَّةٍ ناطحت قمم الجبال ، و بلغت عناء السماء ، بل الثريا !
و تزود بلا ملل من العلم النافع ـ على منهجهم الصافي ـ و ستجد لنفسك مكانًا في قافلتهم الشريفة ، التي أراد الله لها المسير على المنهج القويم ، و السبيل المستقيم ؛ بصبرٍ و يقين ، قال الله سبحانه و تعالى : {و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت:69] . قال ابن القيم : " علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، و أفرض الجهاد جهاد النفس و جهاد الهوى و جهاد الشيطان و جهاد الدنيا... و لا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، و من نُصرت عليه نُصر عليه عدوُّه".[الفوائد:95]
و تأمل ـ بهدوء ـ ما قاله الماوردي في "أدب الدنيا والدين " : "ولا يَقْنَع من العلم بما أدرك، لأن القناعة فيه زهدٌ، والزُّهد فيه تركٌ، والتركُ له جهلٌ!.
وقد قال بعض الحكماء: عليكَ بالعلمِ والإكْـثارِ منه، فإنَّ قليلَه أشبه شيءٍ بقليل الخير، وكثيره أشبه شيءٍ بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القِلَّة، فأمّا كثرتُه فإنها أُمنِية ".
قال النبي صلى الله عليه و سلم : "إنما العلم بالتعلم ، و إنما الحلم بالتحلم ، و من يتحر الخير يعطه ، و من يتوق الشر يوقه ".[الصحيحة :342]
فكُن واعظ نفسك ، و محرِّك همَّتك ، فتش عن همةٍ ضيعتها و أهملتها بداخلك ، أو تركتَ نُورَهَا الخافت عند زاوية بعيدة في أدغال نفسك ؛ اتعظ بسير سلَفكَ الصالح و هِمَمِهم العَلِيَّة، وابْكِ على تقصيرك ودُنُوِّ هِمَّتك، و سفالة طموحاتك ، و ضيق آفاقك ، و قصور نظرك ، و فتور عزمك ؛ واستدرك ما فرطت من أمرك بالجدِّ والعمل، و الصدق و الإقدام ؛ ومن سار على الدرب وصل، وعند الصباح يَحْمَد القوم السُرَى.
و من تكن العلياء همة نفسه <> فكل الذي يلقاه فيها محبَّب


قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : "و ذلك أنَّ النفس الصافية التي فيها رقة الرياضة و لم تنجذب إلى محبة الله و عبادته انجذابًا تامًا، و لا قامَ بهاَ من خشيَة الله التامة ما يصرفها عن هَوَاهَا، حتى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها ، كما يستولي السَّبع على ما يفترسه ، فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ، و لا تقدر الفريسة على الامتناع منه ، كذلك ما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه و تقهره ، فلا يقدر قلبه على الامتناع منه ، فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة أعظم من استغراق الفريسة في جوف الأسد ؛ لأن المحبوب المراد هو غاية النفس ، له عليها سلطان قاهر "[مجموع الفتاوى10/595]
قال الشيخ صالح آل الشيخ : " التعامل مع النفس الإنسانية ، فالنفس ليست حالة تعطيها شيئاً وتتوقع منها مخرجاً معيناً. وليست مصنعاً أو شركة تعطيها معطيات وتجد مخرجاً، النفس الإنسانية فيها الكثير من الأحوال قد لا تتعمق في دراستها فتظن أنك ستحدث مصلحة فتحدث مفسدة."
و قال ابن القيم في " الفوائد " : " فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها و أفضلها ، و أحمدها عاقبة. و النفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات ، و تقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار ؛ فالنفوس العليَّة لا ترضى بالظام ، و لا بالفواحش ، و لا بالسرقة ، و لا بالخيانة ، لأنها أكبر من ذلك ، و النفوس الحقيرة بالضد من ذلك ".
ليس من مات ماستراح بميتٍ <> إنَّما الميْتُ مَيِّت الأحياء
إنَّما الميتُ مَن يعيش ذليلاً <> سَيِّئًا باله قليل الرجَاء


قال ابن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" : "مِن علامة كمال العقل علو الهمة ، و الراضي بالدون دنيٌّ".
إنَّ استثارة الهِمَم ، وشَحْذ الخواطر ، و إيقاظ الدواخل ، وإشعال ما خبا من العزائم ، يعين على ربط الأجيال اللاحِقَة بأسْلافِهَا السَابقَة ، كترابط حلقات السلسلة دون انقطَاع ، أو انفصال ؛ و هو امتدادٌ مُزهرٌ نحو المُستقبل الذي لن يكون إلا للإسلام على ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه رضوان الله عليهم.
إنها أمنيةٌ عظيمة أن تتحقق آمال سلف الصالح فينا ، ثم أمانيهم إلى غيرنا ، ونكون أتباعهم ، و استمرارٌ لهم عبر حقبٍ طويلة ، و تنتقل صورهم المشرقة من خلالنا ، و صفحات جهادهم المنيرة عبرنا ، و من ضروب همَّمهم العَلِـيَّة نستقي منها أزهى الآمال ، و ننهل من رياضها أصفى العزائم ؛ نتطعم من خزائنهم التي لا تنفذ ، و نتقوت من ذخائرهم التي تفنى ؛ خزائن عامرة بالعلم الأثري ، و الهدي السني ، و السمت السلفي .
فهل يُدرك أهل البصائر ماذا ستجني الأمة إن هي أيقضت همم شبابها ، و شحذت عزائمهم ، و متَّنت ارتباطهم بسلفهم الصالح ، و جعلت منهم حلقة داعمة لحلقات السلسلة الشريفة التي جاهد أسلفنا بالغالي و النفيس كي لا تنقطع ، أو يندس بين حلقاتها الدخلاء من أهل التخذيل و الفتن و المكر لتفكيكها و خلخلتها ؟
على قدر أهل العزم تأتي العزائم <> و تأتي على قدر الكرام المكارم
و تكبر في عين الصغير صغارها <> و تصغر على قدر العظيم العظائم


و ها أنت أيها السلفي قد عرفت منهج سلفك الصالح ؛ فاسلك طريقهم ، و استلهم لسيرك من سيرتهم ، و تدبَّر قول الله : { و لا تتبعوا السُّبل فتفرق بكم عن سبيله }[الأنعام :153]. و قوله سبحانه :{ و إن تَتولوا يستبدل قومًا غَيرَكم ثم لا يَكُونُوا أمـثَالكم } [محمد: 38]. وفقني الله و إياكم لما يحبه الله و يرضاه.
و الله تعالى أعلم ، و صلى الله على محمد و آله و صحبه و سلم.

أخوكم أبوالوليد




[ يا قومنا لا توحيد إلا بالتوحيد ولا إجتماع إلا على السنة ولا نصرة إلا في الاتباع ولا عزّ إلا في الطاعة ولا إصلاح إلا بالنصح { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ]

من أقوال شيخنا الفاضل محمد بن عبد الحميد حسونة -رحمه الله تعالى وجمعنا به في الفردوس

هذا وإنَّك يا شيخي مضيتَ إلى * * * * مقابر خير فيها صــار مثواكا
غُيٍبتَ فـي لَبِنات اللحْد منفرداً * * * * فكيف يهنأ شخصٌ حين واراكا؟
سقى الإله رفاتاً ضمَّها جـدَثٌ * * * * ورحمةُ الله طـولَ المكث تغشاكا
فقرّ عيناً ونمْ نـومَ العـروس به * * * * فسوف نحصـد ما تبذره كفاكا
وإنَّك اليوم يا شيخي مضيتَ إلى * * * * ربٍ رحيـمٍ وعنـد الله عُقباكا
فاللهَ أسأل أن تبـدو صحيفتكم * * * * يـوم القيامة نـورا بيـن يمناكا
والله أسأل أن تُجـزى بجنـته * * * * وأن يكون بـدار الخلد مأواكا
بتصرف من مرثية لشاعر السنة أبي رواحة الموري -وفقه الله تعالى
رد مع اقتباس

إنشاء موضوع جديد إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

صفحة الشبكة على الفيس بوك

الساعة الآن 04:29 AM

Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2011
Alrbanyon Network  2008 - 2011